التخطي إلى المحتوى

الزفاف سيراً فوق السحاب رواية من فصلين للكاتب والاعلامي نصر الديب

ربيع 2020

تشرق شمس الربيع العطرة محملة بروائح الفل والياسمين فوق منزل في القاهرة القديمة؛ متخللة النافذة المغلقة بزجاج ابيض بلور؛ لتداعب الستائر الحرير لحجرة أميرة ابنة العشرين ربيعاً؛ أميرة وهي أميرة بطبعها برنسيسة في طلتها؛ ذو الوجه الملائكي؛ ومن شدة الخجل عيونها ناعمة؛ مغطاه بالشعر الأشقر الحرير فهذا اليوم ؛ يوم عرسها ،، قبل السفر الي أمريكا عقب عقد قرانها علي حبيب العمر محمود ذالك الشاب المهذب خفيف الظل مهندس الميكانيكيا والذي يعمل في شركة سيارات بواشنطن .. محمود اللذي رفض التخلي عن مبادئه رافضا الانخراط في مجتمع الفرنجة ومن أجل الخفاظ علي عقائده لجأ إلى حب المراهقة الجميلة أميرة ؛ لبناء عش الزوجية الصغير ؛ والذي كانت تحلم به أميرة قبل سفر محمود إلى أمريكا للعمل هناك وانتظرته خمس سنوات وترفض قبول أي عريس يتقدم لها مهما كانت مميزاته..
تتجول أميرة في غرفتها الواسعة والمليئة بالهدايا والعاب الطفولة والأغراض الشخصية البسيطة وتتحدث معم ،، واعتبرتهم أصدقائها طيلة هذه السنوات التي لا تصدق أنها ستترك أصدقائها خلال سويعات صغيرة ، الي عالم جديد ومجهول بالنسبة لها .

وتُحدث أميرة ذاتها وهي في غرفتها : يااه أخيراً الحلم المستحيل تحقق أنا مش مصدقة نفسي .. أنا ومحمود هيجمعنا اوضة وحدة!؟!؟

وتطرق الأم باب حجرة أميرة التائهة في ملكوت أخر.. وتنادي الأم بصوت عالي يشوبه القلق : افتحي يا أميرة.. في ايه!؟؟ يا بنتي افتحي ؛؛ طب ردي عليا،، وتفيق أميرة من حلمها الجميل على صياح وصراخ الأم وتفتح لها الباب .

الأم : ايه يا ميرو ؛ في ايه يا قلبي؛ مالك ؟

أميرة : مفيش حاجه يا ماما ؛ صدقيني مفيش .

الأم : ماتخلنيش اعيط. انا ماسكة نفسي بالعافية ؛ ابوكي الله يرحمه كان نفسه يبقى موجود معانا النهاردا ؛ وكمان انا مش متخيلة انك هتسافري أمريكا كمان شوية و إني مش هشوفك الا بعد سنتين؛ انتي كنتي مالية عليا البيت .

أميرة : لا يا حبيبتي انا مقدرش استغني عنك. كلها ست شهور ولازم أجي اشوفك أو ابعت لك زيارة تيجي أمريكا .

الأم : انا اسيب بيتي وأروح بلد غريبة ؟!!

يسمع صوت ضجيج من الخارج والسيارات تقترب من منزل أميرة والأطفال تصيح: العريس وصل، العريس وصل وصل وصل العريس وصل .

وتخرج أميرة ووالدتها من الشرفة ليشاهدا موكب العريس ويصعد محمود وتنتظره أميرة في لهفة ، ويقف محمود أمام حجرتها

محمود : أدخل ولا ايه ؟!

أميرة : طبعا لا !! تدخل فين انت !!

محمود : ماخلاص كتبنا الكتاب؛ يعني دلوقتي شرعاً وقانوناً ورسمي فهمي نظمي انتي مراتي على سنة الله ورسوله .

الأم تفتح الباب وتخرج لمحمود وتقول له : كدا فال وحش !! اصبر يا ابني لغاية اما تخلص وتطلع لك .

محمود: اصبر اكتر من كدا ايه دول ٥ سنين يا طنط والله حرام .

الزفاف سيراً فوق السحاب رواية من فصلين للكاتب والاعلامي نصر الديب
تخرج أميرة على استحياء وهي ترتدي فستان الزفاف الأبيض وينظر لها محمود بإعجاب شديد ويقول : تبارك الخلاق ايه الجمال ده وايه الحلاوة دي.. أميرة تنظر إلى الأرض ويحمر وجهها الابيض اللامع من شدة الخجل.. وتخجل أن ترد عليه.. فتصمت لحظات ويقطع هذا الصمت رجل في الستون من عمرة والهيبة تحيط وجهه ،، انه كامل والد العريس : يلا يا محمود هتتأخروا على ميعاد الطيارة وأنا جايب لكم كمامتين مخصوص n96 ، علشان ممنوع حد يدخل المطار من غير كمامة وربنا يستر عليكو يا حبايبي .

الزفاف سيراً فوق السحاب رواية من فصلين للكاتب والاعلامي نصر الديب

وأم أميرة تجهش بالبكاء الحار : كان نفسي اعمل لك فرح كبير يا حبيبتي..والمعازيم يهنوني واقف في وسط الفرح وانا فخورة بيك يا حبيبتي .

محمود : معلش يا طنط ظروفنا كدا الكورونا منها لله !!! والحكومة قفلت كل قاعات الافراح وممنوع أ تجمعات .. عموما شركة الطيران لما عرفت اننا في ليلة الزفاف ،، قالت هتحضر لنا مفاجأة كبيرة .

أم أميرة.. كان نفسي اشوفها في الكوشه يا محمود يا ابني .

كامل يقطع الحديث ويوجه حديثه لام محمود .. مش مهم نشوفهم في الكوشة ، المهم تشوفهم مبسوطين في حياتهم… ويتجه صوب محمود يلا يا محمود ميعاد الطيارة يا ابني .

ويخرج الجميع ويتأهبون لاستقلال السيارات للذهاب إلى المطار ، والموكب يتحرك ويجوب شوارع القاهرة ، وتنظر أميرة إلى الناس والكباري والحارات ، ومياه النيل تجري وكأنها تسابق الزمن ، والزمن يعود بأميرة إلى لحظات الطفولة ، وكأنها تودع المدينة التي ترعرت بها طيلة حايتها م طفولتها وصباها وحتي شبابها .

وصل موكب العروسين إلى ساحات انتظار السيارات بمطار القاهرة والجميع يرتدي الكمامات خوفاً من العدوي بفيروس كورونا الذي اجتاح العالم ، وجاءت لحظة الحسم.. انه الفراق بين أميرة ووالدتها والدموع تتناثر بين المحيطين.. وكأنه الفراق المحتوم .. وهناك شعور غريب بين أميرة ووالدتها واللذان يتناقلا نظرات الاشتياق قبل الفراق ؛ والمدعوم بالخوف من عدم لقاء الوجوه مرة أخرى. وفجأة تخرج الأصوات من مكبرات الصوت بصوت المذيعة الداخلية بصالة الاستقبال بمطار القاهرة وبصوت فيه حدة : إنذار أخير على جميع ركاب رحلة ٥٧٦ المتجه إلى مطار واشنطن دالاس الدولي التوجه إلى ممر ٦ .

هنا يتدخل كامل : يلا يا محمود يلا يا عروستنا.. مفيش وقت.. الطيارة هتفوتكو

ويستمر صوت المذيعة الداخلية في التحذير ويذهب محمود إلى ممر ٦ وفي يده أميرة التي تنظر إلى والدتها وتريد أن تعود إليها مرة أخرى والدموع التي لم تتوقف حتى اختفت الأم وصعد محمود وأميرة سلم الطائرة وهما ينظران إلى بعضهما وأميرة تخطف نظرات بسيطة للقاهرة كلما صعدت سلم الطائرة حتى وقف محمود وأمير متأهبين لدخول الطائرة.. فأوقفتهم المضيفة وقالت : زواج سعيد ان شاء الله؛ طاقم الطائرة يتمنى لكم دوام السعادة والفرحة.

وودخل محمود وفي يدة أميرة ،، والمفاجأة التي في انتظارهم .. فرقة موسيقية كانت على متن الطائرة متجهة لإحياء بعض الحفلات للجاليات العربية في أمريكا وكانت شركة الطيران أخفت هذه المعلومة عن محمود وطلبت شركة الطيران تقديم الاغاني داخل الطائرة وزفاف العروسين وهما في الجو وفوق السحاب وتصوير هذا الحفل كنوع من الدعاية والإعلان عن شركة الطيران في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم..

وبدأت الطائرة في الإقلاع من مطار القاهرة الدولي متجهة إلى مطار دالاس بواشنطن.. وعندما استقرت الطائرة في الجو وسارت فوق السحاب بدأت الفرقة الموسيقية بإحياء الحفل والمفضيفة الجميلة الرشيقة ، قدمت لهما تورتة الزفاف ، وأهدي كابتن الطائرة الخاتم الذهبي وعليه شعار شركة الطيران ، كهدية الشركة للعروسين ، واستمر الحفل قرابة الثلاث ساعات.. ونامت أميرة على كتف محمود وهي في قمة السعادة والبهجة والفرحة التي لم تتوقعها وهو بجوار حبيبها ومعشوقها محمود ،

وجميع من في الطائرة رغم عددهم القليل ومن جنسيات مختلفة وأغلبهم مصريين وعرب.. تفاعلوا مع حفل الزفاف الجميل وسادت روائح العاطفة والنغمات الناعمة في أرجاء الطائرة؛ حتى اقتربت الطائرة من المجال الجوي لواشنطن .

وهنا الصدمة الكبري للجميع

قائد الطائرة يستعد للهبوط على الممر المخصص له.. لكن يكتشف الصاعقة ،، إغلاق مطار واشنطن بسبب فيروس كورونا وعدم استقبال اي رحلات جويه او خروج اي طائرة من المطار مهما كانت الأسباب ، ودلك بناء على قرار الحكومة الأمريكية والذي صدر منذ ساعة تقريبا وتم التنفيذ بكل حزم ، والطائرة معلقة في الجو.. وحاول قائد الطائرة التواصل مع المسؤلين في المطار ولكن جاء الرد بالرفض التام وراسل قائد الطائرة الي المطارات في واشنطن ، مطار بالتيمور ومطار

دي سي ،أملا في أن يجد مخرج من هذه الأزمة ، وخاصة أن وقود الطائرة بدأ يتناقص ، وتواصل مع أكثر من مطار في امريكا كي يتجه إليه ، لكن للأسف الشديد جميع المطارات الأمريكية مغلقة دون سابق إنذار وبدون أي مرعاة للإنسانية وقرار مثل هذا يُتخذ ويتم التنفيذ له في حدود يوم علي الأقل حتى يعلم الجميع بهذا القرار ولكن يتم التنفيذ الفوري خوفاً من انتشار فيروس كورونا في الولايات المتحدة الامريكية؟!؟

وبدأ التوتر يصيب طاقم الطائرة وتسرب هذا الانفلات في الأعصاب إلى جميع ركاب الطائرة وأميرة نائمة على كتف محمود الذي يعلم بالكارثة ورفض أن يوقظها أملا في إيجاد حل قبل أن تفيق على هذا المشهد المرعب .

الي اللقاء في الحلقة القادمة من قصة “الزفاف سيراً فوق السحاب” … انتظرونا

التعليقات